المتابعون

السبت، 24 ديسمبر، 2011

الدولة السودانية ما بين الدستور العلماني و الاسلامي


الدولة السودانية وطريقة الحكم
ما بين الدستور العلماني والدستور الاسلامي

ان انقسام النخب بين الدستور الاسلامي والدستور العلماني عبارة عن غياب لرؤية ثقافة سودانية تحمل في مضمونها القيم على مستوى تدويني فذلك الانقسام لا يعني سوى من يحكم ولكن ليس كيف يحكم فالدستورين لا يعترفان بالثقافات المحلية كثقافات فاعلة يمكن ان تتجسد من خلال الحكم. بالإضافة إلى ما تحمله الديمقراطية من ضعف تجاه المجتمعات فالديمقراطية لا تعني غير الفرد الخالي من القيم الثقافية الكلية.

وقد فشلت كل الدساتير المصاغة على المستوى السوداني نسبة لفراغها من المجتمع المحلي فعند التطبيق لا يتم احتواء القيم المجتمعية من جانب نظام الحكم الاداري أو من جانب نظام الحكم القضائي فلم يتم تبلور القيم المجمعية تاريخيا إلا في نظام الإدارة الأهلية السابق للاستقلال ورغم ان في ذلك العهد لم يتم تدوين للقيم الاجتماعية والثقافية السودانية ولكن كان الاعتراف بها من قبل الإدارة الأهلية والاستعمار باعتبارها قيم تحقق إنسانية الفرد على المستوى الكلي تبدأ من الأسرة الواحدة وتمتد لتشمل القبيلة ثم الإدارة الأهلية التي تمثل عدة قبائل فكان ذلك النسق يلبي متطلبات الإنسان الحياتية الكاملة من النشأة وبالإضافة إلى ذلك كان يتم تعريف الآخر الإنساني وغير الإنساني بناء على اعتدائه على الذات فقط. فالقبيلة كانت ولازالت تمثل محور الذات الاجتماعية عند جزء كبير من المجتمع السوداني والتي تتكامل عندها الهوية الإنسانية من خلال تعريف الفرد بذاته الفردية وذاته الاجتماعية، فداخل القبيلة يتلاقى السياسي والاجتماعية وكل محددات الثقافة بحيث لا تتقاطع القيم التي تتجسد من خلال الأفراد إلا داخل حيز ضيق نتيجة لعدم وجود النخب عند مراحل التحولات والاعتماد على التحول الأعمى الذي لا يشمل الكل الإنساني. فكل القيم الثقافية بالنسبة للمجتمعات السودانية هي قيم بلا تدوين والتدوين هنا يعني تحديد بعد القيمة على مستوى الكل القيمي واثرها أي أولا الاعتراف بها كقيمة لها بعد ايجابي على مستوى الفرد والجماعة ثم اثرها في تشكيل كلية القيم المجتمعية. وبعد مرحلة التدوين تكون تلك القيم قابلة للتحولات الاجتماعية التي تطرأ على المجتمعات فبغض النظر عن الإحالة لتلك القيمة إذا كانت للإله في شكل عبادة أو للمجتمع أو لكليهما تكون قابلة للاختبار من خلال ضغط التحولات الاجتماعية ولكن كل ذلك فقط إذا كانت تلك القيم نابعة من داخل المجتمع السوداني وليست قيم مجتمعات أخرى  وفي هذه الحالة تكون تلك القيم في إمكانية للتواصل مع قيم الثقافات الأخرى العربية أو الغربية وذلك من خلال منطق الثقافية السودانية وليس من خلال المنطق الغربي الفردي أو المنطق العربي الذي يجل قيم مجتمعات لا تمثل الكل السوداني.

والنخب السودانية اذا كانت نخب الوسط النيلي أو النخب الأخرى كل الذي فعلته منذ الاستقلال لا يعدو إلا محاولة تطبيق رؤي أخرى على الواقع السوداني وادي ذلك التطبيق القسرى إلى تفكيك المجتمعات المحلية التي كانت تلبي حاجة الانسان من خلال كلية القيم السابقة فاذا كانت رؤية النخب عبارة عن الدستور الاسلامي أو العلماني فهي دعوة إلى رفض الثقافة المحلية ليس الا فتغيير القيم المجتمعية بقيم أخرى تباعد بين الذات الفردية والذات المجتمعية داخل الفرد لا يعني سوي تغريب الفرد عن ذاته الاجتماعية، فالذات الفردية عبارة عن ممارسة لقيم مجتمعية تتمظهر من خلال رؤية ذهنية أو سلوك لذلك الفرد.

*****
اذا بعيدا عن تقديس نسق معرفي محدد يجب على النخب صياغة قيمها على مستوى تدويني يشمل الكل المجتمعي وتتوجه هذه الدعوة في الاساس إلى نخب الثقافات من غير الوسط النيلي فلصياغة دولة تمثل الهوية الذاتية للكل السوداني يجب الارتكاز على تلك القيم لتكون الدولة فاعلة لمجتمعاتها التي تكونت منها. ونائي مجتمع الوسط التحولي الذي كان عليه ان يستوعب كل تلك القيم وتدوينها من اجل كل انساني الزم النخب الأخرى على مستوى الاطراف ان تعيد صياغة القيم على مستوى ذاتي دون نفي للاخر.
والتدوين يبدا من العلاقات الاقتصادية المحلية من خلال تطبيقاتها المجتمعية إلى العلاقات السياسية اذا كانت تتجسد من خلال الإدارة الأهلية سابقا أو غيره مع الوعي بما تجسده من إنسانية دون تقديس علوي للسلوك انساني. ومن خلال تدوين كل القيم يمكن للمجتمع التخيلي أو الدولة ان تمثل المعبر عن ذلك الكل من خلال اشتماله على جزئيات من الواقع السوداني وتستطيع ان تتمثل من خلال ذلك علاقات الانسان السوداني مع الاخر الخارجي فتكون الدولة أو المجتمع التخيلي عبارة عن معبر حقيقي عن تلك الكلية من خلال نخبها وتدوينها. وعند مرحلة التدوين تلك نعيد تعريف كثير من المفاهيم مثل مفاهيم الخطا والصواب التي تم تعريفها من قبل نخب الوسط النيلي ومعاونيهم من النخب الأخرى من خلال الثقافات العربية والغربية فيجب اعادة تعريفها وفق المنطق الخاص بالثقافة السودانية فالخطا والصواب عبارة عن تعريف مرحلي يتم تجاوزه عند مرحلة التحولات دون سيطرة لمقولات الاباء كمقولات مقدسة.

******

فاذا كان هنالك مفهوم يمكن ان يعبر بصورة ما عن شكل الحكم فهو مفهوم الديمقراطية المجتمعية في مقابل ديمقراطية الفرد الغربية ولكن يجب تاطير تلك الديمقراطية من خلال المجتمعات المحلية وقيمها وعاداتها وتقاليدها فيصبح الفعل المنافي للمنطق أو الضار هو الفعل الموجه ضد مجتمع محدد وليس مجتمع تخيلي أو المجتمعات التي تحتمي بالإله فليس هنالك فرد يهدد الدولة أو المجتمع التخيلي اذا كان من افراد الدولة السودانية فالمجتمع التخيلي تم استغلاله من قبل مجتمعات الوسط لتحتمي به عند عجزها عن انتاج رؤية تمثل الكل السوداني فالفرد يمكن ان يمثل تهديدا لمجتمع حقيقي اذا كانت قبيلة أو مجتمع مدني.
ان وعينا بما تمثله رؤية نخب الوسط النيلي اذا كانت العربية أو الغربية ما تمثله تلك الرؤية على مستوى نخبها ومجتمعاتها من إنسانية لا يعني قبولنا لها وذلك لرفضها للمكون الحقيقي للثقافة السودانية فما تفعله تلك الرؤية لا يؤدي الا إلى تفكيك المجتمعات الحقيقية على مستوى الاطراف ومحاولة قولبتها بالقوة داخل تلك الرؤية ويتم ذلك من خلال رفض لكل قيم المجتمعات الحقيقية وتجريمها باعتبارها رجعية أو لا تمثل الرؤية الإسلامية الحقيقية (الرؤية العربية الإسلامية) وهي مثلها مثل (الرؤية اليهودية الإسلامية) فاليهودية ديانة اسلامية تم استيعابها داخل الكل الثقافي اليهودي كما هي الرسالة الخاتمة.
والعمل على تاسيس الدولة السودانية يكون على مستويين الأول وهو مستوى المجتمع التخيلي وهو المجتمع الذي يعبر عن الكل السوداني وذلك عن طريق اعادة تعريف الدولة بعيدا عن التعريف التاريخي للثقافة الغربية للدولة التي تمت فيها التحولات ما بين اقطاعية ثم برجوازية وارستقراطية ثم راسمالية فكل تلك تحولات لوعي مجتمعي محدد داخل الثقافة الغربية، فالدولة السودانية يجب ان تبتعد عن أي ايدلوجية خلاف السودانوية، التي توجد بها مساحة تعبيرية لكل القيم والعادات السودانية وهي ليست مساحة سلبية ولكنها ايجابية من حيث دعم تلك القيم في مواجهة قيم الثقافات الأخرى اما على مستوى الداخل فهي تدفع نحو تواصل انساني بين الفرد ومجتمعه وبين المجتمعات فيما بينها فهي لا تعبر عن مجتمع محدد حتى تتبني رؤيته أو تنشا المزاوجة بين ذلك المجتمع والدولة. ويجب ان تنشا السلطة الفعلية من القاعدة أي من المجتمعات الحقيقية والمعبر عنها إذا كانت إدارية أهلية أو أي شكل أخرى للحكم فيجب ان يكون للقاعدة سلطة فعلية تستمد من مجتمعاتها الحقيقية التي تعبر عنها. اما المستوى الثاني فهو مستوى المجتمع الحقيقي اذا كان قبيلة أو عشيرة أو غيره فتعريف الإنسانية بالنسبة لذلك المجتمع ينبع من إنسانية الانا والاخر المجتمعي بالإضافة إلى ان إنسان ذلك المجتمع يحمل في داخله الهوية المجتمعية، والتي تتجسد من خلال المجتمع الحقيقي مثل الاعراف والعادات والتقاليد فهي معبر عن هوية ذلك المجتمع وبالتالي فهي انعكاس لقيم ذلك المجتمع وتساهم في الوعي بإنسانية الفرد من خلال التعريف المباشر بهوية الفرد الاجتماعية.
وذلك لا يعني بأي حال تثبيت للمجتمعات عن ناحية إدارية في نظم تجاوزتها المجتمعات ولكن يعد ذلك اعتراف بإنسانية تلك الأعراف ليس في إطار التطور ولكن في إطار التحولات الاجتماعية التي تعني الاعتراف بالهوية الاجتماعية للفرد وكذلك عدم التقديس لتلك الأعراف فهي في الأخر إنتاج إنساني يمكن ان تتجاوزه للمجتمعات ولكن لا يفرض عليها ذلك التجاوز من الخارج. وكذلك لاحتواء تلك المجتمعات على كلية تمكن من تجسيد الذات المجتمعية من خلال الذات الفردية بين الفرد والأخر الاجتماعي أو بين الفرد والأخر الثقافي وذلك من خلال التحول الواعي أي التحول عن طريق النخب التي تؤمن بمجتمعاتها وتسعي إلى تدوين تلك القيم والأعراف وليس عن طريق التحول الأعمى وهو تحول المجتمعات نتيجة للظروف الطبيعية إذا كانت حروب أو هجرات أو غيرها التي تضطر معها المجتمعات إلى صياغة قيم يمكن ان تناقض قيم أخرى فتتفكك المجتمعات مع الزمن.

إذن فقبل الحديث عن الدستور يجب إعادة تعريف القيم السودانية بناء على المجتمع السوداني، وذلك يشمل كل القيم والأعراف والمعتقدات مع الوعي بان كل القيم هي قيم إنسانية تخضع للتحولات بعيدا عن المزايدة الإلهية أو ايدولوجية الحداثة الغربية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق