المتابعون

الأربعاء، 2 نوفمبر، 2011

الكرسى بى كم؟؟؟..



بقلم خليفة حسن بله
دارمي و كاتب صحفي

والشمس تجرى لمستقر لها ذلك اليوم وانا وسط (زنقة) فى شارع بالسوق (الشعبى) بأمدرمان وأصوات باعة ومشترين تختلط بصوت مؤذن –لم يتم إختياره بعناية –وهو ينادى لصلاة العصر ..وبقيت لأكثر من نصف ساعة متوقفا عن الحركة  تنقلت خلالها على عدد من المحطات الإذاعية فلم أعثر على ما يجعلنى أستقر على إحداها فضبطت نفسى تتلصص على حوار يدور بين سيدة  وهى تجادل بائع كراسى بلاستيك وبجوارهما رجل صامت يتابع الحوار بلا إكتراث  ويظهر هذا عندما تستشهد به المرأة –يبدو انها زوجته- فيرد بإقتضاب ولا يشكل رده إضافة إيجابية للحوار..
السيدة تعترض على سعر الكراسى: ليه اصلو الكرسى بى كم؟
ويرد البائع بصبر عنيد: يا أخت والله نص الدستة بى مية وتمنين ودة لو حسبت ربحنا فيه تلقينا خسرانين..
السيدة: بالله هو فى تاجر بخسر؟؟
البائع: ايوة بنخسر لو حسبنا النقة البنصرفا معاكم والبنسمعا منكم..
ويبتسم الزوج .. وابتسمت انا عندما سمعت نفسى الأمّارة بالسوء تقول لى : خلى بالك صاحبك دة مستحمل نقة طن..

فى هذه الأثناء زجرت نفسى عن التلصص وبحثت عن إذاعة تشغلنا فإذا بنا نلتقط خبر عن تجدد صدامات بين جيش على عبدالله صالح وثوار اليمن ويليه خبر عن استشهاد ثوار من سوريا على يد الشبيحة والجيش السورى ..

وذات معركة سعر الكرسى تدور هناك ..فسألت بصوت مسموع: بالله هو الكرسى بى كم؟؟


ستجد فى كل بلد ونظام سعر لكرسي الحكم.. ولكن ما يعلن الآن على بورصة ثورات الشعوب يؤكد ان كرسى العرب هو الأغلى سعرا  حيث يحسب هنا بالأرواح والدماء ..يأتون ثوارا لخدمة الشعب ويفعلون ذلك فى البداية ثم يكتشفون ان مهمتهم لا تنتهى مع الكرسى الا بفنائهم عليه ولكن الشعب لا يعلم فيعلمونه بطريقتهم الخاصة ..كلٌ بطريقته الخاصة.. وهكذا كلما دفعوا ثمنا للكرسى كلما كان لزاما عليهم الحفاظ عليه .. فإن أنت قتلت مواطنا أراد ان يزيحك عن الكرسى فأنت من دفعت الثمن وليس المواطن  لكنهم- الشعوب- لا يعلمون..فهو –المواطن- إنما فقد حياته إن قتلته او بعض منها إن سجنته او عذبته لكنك أنت من دفعت الثمن باهظا فى دفتر حسابك عند الملك المحاسبك على كل مثقال ذرة خيرا او شرا .. وهكذا يتضاعف سعر الكرسى ومنطقئُ ان تحافظ عليه بمزيد من الأثمان ..
 كنا منذ طفولتنا المبكرة نشترك فى مسابقات معترف بها هدفها الأساسى هو الحصول على الكرسى فيما يسمى بلعبة الكراسى نتحلق فى دائرة حول عدد من الكراسى تقل بواحد عن عددنا نحن ونبتدئ الجرى حولها حتى اذا أصدر الحكم إشارة متفق عليها يجلس كل متسابق على كرسى ويخسر من لم يجد كرسى ليخرج ومعه كرسى حتى يبقى فى النهاية كرسى واحد ومتسابقين إثنين ليفوز من يجلس على الكرسى ..

وكنت قد إشتركت فى عدد كبير من منافسات هذه اللعبة بدافع من نفسى الأمّارة بالسوء وفزت مرة واحدة فقط وأعترف اننى قد فزت بطريقة غير نزيهة عندما إكتشفت ان كل من يفوزون بهكذا كرسى هم يفعلون ذلك فجربتها وتأكد لى ذلك ففزت .. تبطئ قليلا عندما تقترب من أمام الكرسى ليسهل لك الجلوس مباشرة او تقترب أكثر منه وانت تدور حوله أو تستعين ببعض المخلصين لك ليشتتوا إنتباه منافسك او تتفق مع الحكم ان يصدر إشارته عندما تكون مهيا للفوز او تجره – الكرسى- من تحت منافسك حتى ولو كان قد سبقك إليه وهذه الخطة الأخيرة بالذات هى من كفلت لى الفوز للمرة الأولى والأخيرة ..

ولحسن الحظ ان ذلك الفوز ليست له ما بعده حيث لا يتيح لى فرصة الحكم الا للحظات ريثما تبدأ اللعبة من جديد وإلا لكنت الآن أمارس القتل والتنكيل بكل من تسوّل له نفسه الحصول على حقى الأصيل فى البقاء على الكرسى منى قبل ان يتحول الى نعش ..

أنتبه على أصوات (بورى) ينبهنى للتحرك فقد تحرك الشارع- أقصد السيارات التى كانت متوقفة بفعل زنقة المرور- فأنتبه الى ان جيرانى البائع والمرأة وزوجها قد حسموا أمرهم وهاهم يدفعون ثمن نصف دستة كراسى يرفعونها على (بوكس) غير أنى لم أعرف كم كان ثمن الكرسى ..

نمت ليلا بعد ان زحمت رأسى بمشاهد من ثورات كثير من الشعوب ومشهد للقبض على الزعيم الأممى ملك ملوك افريقيا وناصر الهنود الحمر والسود وكيف كا يتوسل قابضيه ليرحموه ويتساءل ببراءة: إنتو ما تعرفوا الحرام؟؟؟ يبدو انه لم يسعفه الوقت الكافى لوعظ شعبه وتعليمه الحلال والحرام فقد كان مشغولا برفع سعر كرسيه ببورصة الحكم مقابل انخفاض أرواح العباد والبلاد..نمت  لأستيقظ مفزوعا وأنا أرى شعب من الذين كنت أنافسهم فى لعبة الكراسى التى فزت فيها يثورون علىّ.. جلست على ذلك الكرسى البغيض أقل من دقيقة فإذا بها ذرات من الخرادل أحاسب عليها الآن لمجرد اننى جذبت الكرسى من تحت منافسى الذى كان أحق به منى ..مجرد لعبة ليس إلا أقضت مضجعى وقلبتنى على جمر من الهلاويس والأرق...دى مصيبة شنو دى ..بقيت صاحيا حتى إنبلج الصبح فتظاهرت بالنوم لتوقظنى زوجتنا الأولى والوحيدة-حتى الآن- وقبل ان أخرج تحدثنى عن رغبتها فى تجديد طقم الكراسى !!!

بالله ؟ تلقيها عند الغافل..وتركتها وهى فى حالة دهشة ومازالت كذلك حتى تاريخه ..وهى تسمعنى أصرخ : كرسى لا ..بنابر بس ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق